السيد كمال الحيدري
483
أصول التفسير والتأويل
لكن القرآن لم يكتف بذلك دون أن بيّن تلك الحقيقة بما ضربه مثلًا في أمر الحقّ والباطل ، فقال تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( الرعد : 17 ) . هذه الآية بيّنت طبيعة الحقّ والباطل ، فوصفت تكوّنهما وكيفيّة ظهورهما والآثار الخاصّة بهما وسنّة الله سبحانه الجارية فيهما ، ولن تجد لسنّة الله تحويلًا ولن تجد لسنّة الله تبديلًا ، وذلك من خلال مثل ضُرِبَ للناس ، والمعنى : أنزل الله سبحانه من السماء وهى جهة العلوّ ماءً بالأمطار ، فسالت الأودية الواقعة في محلّ الأمطار المختلفة بالسعة والضيق والكبر والصغر بقدرها ، أي كلٌّ بقدره الخاصّ به ، فالكبير بقدره والصغير بقدره ، فاحتمل السيل الواقع في كلّ واحد من الأودية المختلفة زبداً طافياً عالياً ، وهو الظاهر على الحسّ يستر الماء ستراً . ثمّ قال سبحانه : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ « من » نشوية ، « وما يوقدون عليه » أنواع الفلزّات والموادّ الأرضية القابلة للإذابة المصوغة منها آلات الزينة وأمتعة الحياة التي يتمتّع بها ، والمعنى : ويخرج من الفلزّات والموادّ الأرضية التي يوقدون عليها في النار طلباً للزينة كالذهب والفضّة أو طلباً لمتاع كالحديد وغيره ، يتّخذ منه الآلات والأدوات ، زبد مثل الزبد الذي يربو السيل ، يطفو على المادّة المذابة ويعلوه . ثمّ قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أي يثبّتهما ، نظير ما فعل